السيد حسن الصدر
90
تكملة أمل الآمل
وكانت هذه عادته على الاستمرار ، فإذا فرغ من استماع الدرس ، ركب إلى عمارته . فتأخّر مجيئه ذات يوم فلمّا جاء ومرّ على المسجد لم يسمع شيئا فظنّ انقضاء الدرس وفراغ الشيخ منه فتوجّه إلى عمارته ، ولمّا رجع آخر النهار ومرّ بالمسجد رأى الشيخ في عدّة من جماعته وتلامذته جلوسا يتذاكرون العلم ، فنزل ودخل معهم فلمّا بصر به الشيخ أقبل عليه بأخشن ما يكون من الكلام المعنّف حتّى تفل في وجهه ، وقال له : شغلتك الدنيا عن استماع آثار أهل البيت وأحكامهم الدينيّة ، فصار الحاكم يعتذر إليه بظنّ الفراغ من الدرس ويتضرّع بين يديه ومسح بالتفلة وجهه وقال : الحمد للّه الذي جعل ريق العلماء شفاء من كلّ داء . وتفرّق المجلس . وكان الحاكم المذكور هو الذي يجري الإنفاق على الشيخ وعلى تلامذته من ماله ، فلمّا فرغ الشيخ في نفسه وفكّر فيما صنعه بالحاكم بملإ من الناس الأشراف أخذه الخوف من سطوة الحاكم واغتياله له ، فلمّا كان نصف الليل طرقت باب الشيخ فظنّ الشيخ أنه قد جاء من قبل الحاكم من يأخذه فأرسل من يستعلم له الحال ، وإذا بالحاكم قد أرسل للشيخ خلعة وكسوة ولأهل بيته ، وصرّة دراهم له ولتلامذته ، وأنه يقول : هذا كفّارة ما عملناه اليوم ونسأل اللّه العفو عن الزلّة والخطأ ، فطابت نفس الشيخ حينئذ . قلت : ولا عجب من خشونة الشيخ في ذات اللّه وربّانيّته ، إنّما العجب كلّ العجب من كمال نفس هذا الحاكم ، لكنّه لا غرو فإنه عامل الدولة النورانيّة الشريفة الصفويّة الموسويّة الزهراء . وكان حكّامها وعلماؤها وسلاطينها كلّهم قدسيّة ، رضي اللّه عنهم جميعا « 1 » .
--> ( 1 ) أنوار البدرين / 134 - 135 .